عبد الشافى محمد عبد اللطيف
310
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
يحصلونه ويدرسون مما أثمر حضارة إسلامية زاهرة ، يقول صاعد الأندلسي : « ثم لمّا أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم - المأمون - تمم ما بدأه جده المنصور ، فأقبل على طلب العلم في مواضعه ، واستخرجه من معادنه ، بفضل همته الشريفة ، وقوة نفسه الفاضلة ، فداخل ملوك الروم ، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة ، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة ، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطوطاليس وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس ، وغيرهم من الفلاسفة ، فاستخار لها مهرة التراجمة ، وكلفهم إحكام ترجمتها ، فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعلمها » « 1 » . وإذا كانت الأمم التي تريد أن تنهض في وقتنا الحاضر وتلحق بركب الدول المتقدمة وتسعى في الوصول إلى تحصيل العلم والمعرفة بشتى الطرق ، ومنها إيفاد البعثات من أبنائها إلى الدول الأكثر تقدما لتحصيل العلم ، ومنها أيضا دعوة كبار الأساتذة الأجانب لإلقاء المحاضرات والدروس على أبنائها كأساتذة دائمين أو زائرين في جامعاتها ، فإن هذا هو ما فعله المسلمون بالضبط في بناء نهضتهم العلمية ، فقد أرسلوا البعثات والوفود للتعلم وجمع الكتب ، ثم استقدموا كبار الأساتذة للتدريس في بغداد . يقول ابن النديم في الفهرست : « إن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات يسأل الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم ، فأجاب ذلك بعد امتناع ، فأخرج المأمون لذلك جماعة ، منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة ، وغيرهم ، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا ، فلما جاؤوا إليه أمرهم بنقله » « 2 » أي : ترجمته إلى اللغة العربية . وتعددت وفود وبعثات المأمون إلى البلاد البيزنطية للبحث عن الكتب « 3 » ومن أعظم الأمثلة الدالة على التعاون في المجال العلمي بين المسلمين والبيزنطيين . وعلى تطلع المسلمين إلى المعرفة ما فعله المأمون من أجل استقدام العلماء البيزنطيين إلى بغداد ، وذلك مثل محاولته استقدام أشهر عالم فلك ورياضيات بيزنطي في عهده
--> ( 1 ) أحمد بن صاعد الأندلسي - طبقات الأمم ( ص 76 ) . ( 2 ) الفهرست ( ص 243 ) . ( 3 ) انظر أحمد أمين - ضحى الإسلام ( 2 / 63 ) ، مطبعة الاعتماد بالقاهرة سنة ( 1933 م ) .